تقويم مسيرة الاقتصاد الإسلام&#

 

 

 

 

 

تقويم مسيرة الاقتصاد الإسلامي

]1396- 1422هـ[

]1976- 2003م[

 

 

الأستاذ الدكتور/ عبد الرحمن يسري أحمد

جامعة الإسكندرية- مصر

 

 

 

 

(طبعة تمهيدية)

 

يستهدف هذا البحث تقويم مسيرة الاقتصاد الإسلامي على مدى فترة زمنية تمتد ما بين عقد المؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي في مكة 1396هـ- 1976م والتاريخ الذي حُدد لعقد المؤتمر العالمي للاقتصاد الإسلامي في مكة 1422هـ- 2003م. وفي هذا البحث نميّز للاقتصاد الإسلامي ثلاثة أبعاد هامة:البعد الفكري أو النظري Theoretical، والبعد المؤسسي Institutional، والبعد التطبيقي أو العملي Practical.

وهناك بطبيعة الحال أبعاد أخرى للاقتصاد على رأسها تلك التي ارتبطت بالشريعة وأصوله الفكرية وممارساته التاريخية، وتلك التي ارتبطت بالجوانب الثقافية والسياسية التي صاحبت نشأته وما زالت محيطة به. ولكن مقتضيات البحث تستلزم التركيز على الأبعاد الأكثر أهمية، لذلك استطردنا في هذا البحث من مقدمات مختصرة ومركزة على الأصول الشرعية والفكرية للاقتصاد الإسلامي التي ارتبطت بتاريخه المجيد ثم عن ظروف نشأته في العصر الحديث.وفي تناول البعاد الثلاثة الرئيسة للاقتصاد الإسلامي اخترنا التركيز على أهمها وهو الجانب الفكري أو النظري فهو أساسها وأهم عمدها. فالفكر هو القوة الحقة وسلامته ووضوحه ونموه هو السبيل الوحيد على وضوح وسلامة وتماسك واستدامة المؤسسات الخادمة للاقتصاد الإسلامي بشكل مباشر أو غير مباشر، ومن ثم بالضرورة سلامة ونجاح التطبيق. ومع وجود القصد باستهداف التركيز في تقويم مسيرة الاقتصاد الإسلامي من الجانب الفكري إلا أننا أشرنا إلى أهم جوانب  التجديد في الجانب المؤسسي كما أشرنا إلى البعد التطبيق كلما لزم الأمر من خلال استعراض وتقويم مسيرة الفكر الاقتصادي الإسلامي.

مقدمة في الأصول الشرعية والفكرية للاقتصاد الإسلامي:

عُرفت الممارسات الاقتصادية الإسلامية على المستوين الجزئي والكلي منذ العام الهجري الأول. فلقد أقم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم سوقاً للمسلمين في المدينة بعد هجرته إليها مباشرة، ووضع له من الضوابط ما يكفل القضاء على كافة الأشكال والممارسات الاحتكارية والقضاء على الغش والغبن في المعاملات كما يكفل الفرص أمام الجميع مشترين أو بائعين. كما عمل الرسول صلى الله عليه وسلم على تنفيذ أوامر الله عز وجل في تحريم الربا فقضى على المعاملات الربوية بأنواعها وأرسى دعائم المشاركة بين العمل ورأس المال. وجمع الزكاة بنسب معينة من فئات معينة كما ألهمه الله عز وجل بحكمته ووزّعها على الفئات المستحقة كما ذكرت تفصيلاً في القرآن، وتبعاً للأولويات التي استنبطها صلى الله عليه وسلم بالمشورة مع صحبه المقربين أولي الرأي، وحمى أرضاً للحفاظ على منطقة طبيعية خضراء حول المدينة المنورة وكذلك لأغراض مالية ودفاعية، وأقطع أراضي لمن يريد أن يستصلحها وأرسى مبدأ تملك الأرض

الموات بالإحياء. ونظّم استخدام الموارد المائية باعتبارها ملكية عامة وشجّع المسلمين على تعلم صناعات جديدة لم يعرفوها من قبل، ومنها صناعة السلاح وممارستها وإتقانـها. ولم يمنع النساء من العمل لأجل الإنتاج والتجارة، وليس ثمة دليل واحد أنه وضع حدوداً على نشاطهن في التجارة أو غيرها على نمو ثرواتـهن.

ووضع النبي عليه الصلاة والسلام قواعد راسخة لمعاملة الإجراء بالعدل وإنصافهم وعدم التدخل في حرية الأسواق وما يجري فيها من معاملات وأسعار ما دامت في إطار الشريعة الإسلامية الغرّاء. وليس المقصود هنا أن نحصر كل شيء فهناك توجيهات إلهية عمل بـها النبي صلى الله عليه وسلم في مجالات الاستهلاك والإنتاج والتوسع في عمارة الأرض وتوزيع المواريث، وهناك سنن أقامها في هذه المجالات نفسها وفي غيرها حتى تقوم المعاملات الاقتصادية ويتم توزيع الدخول والثروات وتنميتها على أساس العدل الذي أراده الله عز وجل لخير أمة أُخرجت للناس وهو الحكيم الخبير.

ومع الممارسات الصحيحة للصحابة والتابعين لهم واجتهادات علماء المسلمين في القرون الأولى للدولة الإسلامية ازدادت القواعد التي وضعها الرسول صلى الله عليه وسلم في عصره رسوخاً من حيث المبدأ، بينما اتضح تدريجياً جانب المرونة فيها من خلال التطبيقات في أماكن وأزمنة مختلفة.فجوهر القواعد بقي ثابتاً واختلف شكل التطبيق بما يتفق مع ظروف الدولة الإسلامية التي اتسعت شرقاً إلى الهند والصين وغرباً وشمالاً إلى بلاد المغرب وأسبانيا والبرتغال ومدن أوروبية أخرى في شمال البحر الأبيض المتوسط وجنوباً إلى أواسط وشرق وغرب القارة الأفريقية.

وفي إطار الدولة الإسلامية الكبرى أصبحت الزكاة مؤسسة راسخة من خلال دواوين منظمة أُنشئت لبيت المال تُجمع وتُوزع وفقاً لتعاليم القرآن وتوجيهات السنة المطهرة بأولويات تتفق مع الظروف المختلفة للفئات المستحقة في المجتمعات والأزمنة المختلفة.

واتسعت وتعددت موارد الدولة المالية وأُضيف إليها في زمن عمر بن الخطاب تبعاً لاجتهاده خراج الأرض التي فتحها المسلمون عنوة وتُركت في أيدي أصحابـها، وقامت الصدقات بدور غير عادي في إنشاء المدارس والمستشفيات والمساكن لإيواء الأرامل واليتامى من خلال نظام الأوقاف. واتسعت الأسواق الداخلية وتطور معها نظام الحسبة بأشكال متعددة لكي تصون قواعد الشريعة في المعاملات ويقضي على الاحتكار ويصون المنافسة الشريفة ومن ثم نمت التجارة الداخلية على أسس شرعية وقواعد أخلاقية إسلامية. كذلك نشطت التجارة الخارجية بين الأقطار الإسلامية داخل الدولة الكبرى وبين الأقطار الإسلامية وغيرها من الأقطار في العالم براً وبحراً.

ومع تطور التجارة الخارجية تطورت نظم تمويلها ولكنها لم تخرج عن إطار المشاركات، وظهرت أساليب جديدة لتسهيل التجارة بين الأقطار مثل الصك والسفتجة، وظلت الحرب معلنة على الربا لا يجرؤ أحد على التعامل به أو الإخفاء أو بحيل خسيسة.

وخلال القرون العديدة الممتدة ما بين عصر الرسالة والراشدين من جهة ونـهاية عصر الازدهار الإسلامي أو بداية الركود في القرن الثامن الهجري والخامس عشر الميلادي ظهرت اجتهادات فكرية مميّزة في مجالات المالية العامة للدولة والأسواق والتسعير والنقود، وتقسيم العمل والعمران الاقتصادي والتوزيع عن طريق علماء مميزين أمثال أبي يوسف والغزالي وابن تيمية وابن قيم الجوزية الماوردي وأبي عبيد وأبي
عبد الله الحبشي وابن خلدون والمقريزي.

وبعض هذه الاجتهادات نُشرت بأكثر من لغة،وبعضها لم يُنشر إلا بالعربية في إطار كتب التراث الشاملة التي ضمنت عروضاً متنوعة في مجالات العلوم الشرعية من فقه وحديث وتفسير أو في مجالات علوم الفلسفة والتاريخ[i]. هذه نبذة مختصرة عن الأصول الشرعية والفكرية للاقتصاد الإسلامي.

ظروف نشأة الاقتصاد الإسلامي في العصر الحديث:

بالرغم من الأسس الشرعية والفكرية القديمة للاقتصاد في الفكر الإسلامي إلا أن مصطلح الاقتصاد الإسلامي في حد ذاته لم يظهر إلا في أواخر القرن الرابع عشر الهجري أو في النصف الثاني من القرن العشرين. ولا بد من القول أن ظهور المصطلح لم يكن مجرد عثور على اسم لشيء موجوداً بل كان يعني أكثر من هذا على سبيل التأكيد. لقد كان المصطلح مرتبطاً بعدة أمور بالرغبة في إقامة نظام اقتصادي عصري في إطار الشريعة الإسلامية وصياغة نظريات وسياسات اقتصادية تلائم الاحتياجات الواقعية للأقطار الإسلامية وتساعدها على تحقيق التقدم.

لقد ظهرت الرغبة في إقامة نظام اقتصادي عصري يحفظ هوية الأقطار الإسلامية ويحقق مصالحها وقوتـها إثر انـهيار الدولة العثمانية ( التي اُعتبري آخر حلقات الخلافة في الدولة الإسلامية الكبرى) وظهور النزعات الاستقلالية في الأقطار الإسلامية التي وقعت تحت سيطرة الدول الغربية الاستعمارية. ولم تكن السلطات الاستعمارية تُخفي نزعتها الفكرية المسيحية في التأثير على الثقافة والتعليم وتوجهاتـها في إعادة صياغة التشريعات ووضع القوانين التي تتفق مع توجهاتـها العلمانية، وذلك على المستويين المدني والتجاري. وكل هذا مما أثار حفيظة الصفوة من المثقفين الوطنيين وجعلهم أكثر رغبة واستعداداً لخوض معركة الاستقلال الفكري للحفاظ على الهوية الإسلامية. وكان من الشائع في خضم هذه المعركة الفكرية أن الاستقلال السياسي ضرورة لتصفية التبعية الفكرية، وأن الاستقلال الاقتصادي في الإطار الإسلامي هو القاعدة الأساسية للاستقلال السياسي[ii].

ومما قوّى حافز الصفوة من المثقفين والوطنيين الإسلاميين ورغبتهم في تحقيق الهوية الاقتصادية الإسلامية ظهور حركات ومذاهب اقتصادية جديدة مضادة للنظام الرأسمالي مثل الاشتراكية التعاونية والماركسية. فقد كان ثمة اعتقاد شائع بأن الرأسمالية هي سر سيطرة الغرب وأنتها الطريق الوحيد إلى القوة.

وفي إطار مناخ التحدي للرأسمالية العالمية تزايدت الدعوة إحياء الشريعة والقيم والنظم الإسلامية بآليات مناسبة حتى تتم مواجهة الرأسمالية وتحدياتـها الاستعمارية ويمكن للأقطار الإسلامية التخلص من سيطرة الحركات والأفكار الجديدة التي لا تتفق أيضاً مع الشريعة الإسلامية وتحقق التقدم في المجال الاقتصادي، وقد صار من الجلي ما للقوة الاقتصادية من أهمية عظمى في البناء السياسي والاجتماعي.

وهكذا ظهر الاهتمام بإقامة الاقتصاد الإسلامي فكراً وتطبيقاً منذ أوائل القرن العشرين في غمرة أحداث وتطورات عديدة داخل الأقطار الإسلامية وخارجها.

وفي الفترة التالية للحرب العالمية الثانية نالت الأقطار الإسلامية الواحدة تلو الأخرى استقلالها السياسي من الدول الاستعمارية الغربية وبدأت مسيرتـها لتحقيق التنمية الاقتصادية. وفي ذلك الإطار الجديد ظهرت عدة توجهات فكرية وسياسية تستـهدف العمل على إقامة أو إعادة تشكيل النظام الاقتصادي والتأثير في السياسات الاقتصادية الكلية. ومن أبرز هذه التوجهات:

1- التوجه إلى إقامة نظام اقتصادي وطني مستقل ينخفض فيه الاعتماد على الخارج، وتُعطى فيه أولوية للسياسات التي تـهتم بتلبية احتياجات السكان الأساسية وتعمل على تحقيق التنمية اعتماداً على الموارد الذاتية بصفة أساسية.

2- الحفاظ على النظام الاقتصادي السابق للاستقلال من حيث هويته الرأسمالية، واستمرار اعتماد السياسات التي تؤكد الصلة بالعالم الخارجي وبالدول الاستعمارية السابقة ولكن على أسس جديدة تسعى لتحقيق المصلحة الوطنية.

3- العمل على إقامة نظام اقتصادي ذو نزعة اشتراكية (أو اجتماعية) يتعاظم فيه دور القطاع العام والارتباط مع الكتلة الشرعية على المستوى العالمي بدلاً من الكتلة الغربية الرأسمالية.

4- المناداة بإقامة نظام اقتصادي إسلامي يسعى لتحقيق المصالح الاقتصادية في إطار وطني مستقل، والحفاظ على علاقات متوازنة مع العالم الخارجي مع السعي على تحقيق التكامل مع بقية الأقطار الإسلامية.

ولقد لقي التوجه الأول تأييداً عريضاً وكان أكثر التوجهات بروزاً من الناحية الواقعية خلال الخمسينات والستينات خاصة على مستوى الكثير من الأقطار الإسلامية.وبقي التوجه الثاني محدوداً إلا أنه كان قوياً من حيث التأكيد على العلاقات الاقتصادية بالعالم الخارجي. وقد عملت الدول الاستعمارية السابقة من جهتها على دعم هذا التوجه من خلال تنظيمات، مثل الكومنولث البريطانيBritish Commonwealth والكتلة الفرانكفونية (فرنسا)، وذلك لأجل استمرا مصالحه الاقتصادية.

أما التوجه الاشتراكي فقد لقي رواجاً في عدد من الأقطار الإسلامية خلال الستينات والسبعينات والثمانينات، وقد لقي هذا التوجه تأييداً ودعماً من الاتحاد السوفيتي السابق إلى أن انـهار هذا في بداية التسعينات وانـهارت معه التجربة الاشتراكية على المستوى العالمي.

وبالنسبة للتوجه الإسلامي فقد وجد طريقه إلى الواقع في حالات معدودات وهي باكستان والمملكة العربية السعودية والسودان وإيران، ولكنه ما يزال في طور التجريب إلى الآن. أما في بقية الأقطار الإسلامية فإنه بالرغم من أن التوجه الإسلامي لقي تأييداً شعبياً كبيراً منذ حصولها على الاستقلال السياسي إلا أنه لقي أيضاً تحديات ومعارضات سياسية هائلة من الداخل ومن الخارج على حدٍ سواء. وقد استهدفت المعارضة أحياناً القضاء على التوجه الإسلامي وأحياناً أخرى دمجه أو مزجه من التوجه الوطني الرأسمالي أو مع التوجه الاشتراكي.

وخلال نصف قرن مضى الآن على حصول معظم الأقطار الإسلامية على استقلالها السياسي لم تنجح الأنظمة الاقتصادية البديلة للنظام الإسلامي في تحقيق الاستقلال السياسي لهذه الأقطار أو دفع عجلة التنمية فيها على نحو يقلل من الفجوة الاقتصادية بينها وبين الدول المتقدمة. على العكس من ذلك فقد عانى العديد من الأقطار الإسلامية من ازدياد حدّة المشكلات الاقتصادية في شكل عجز مستمر في موازين المدفوعات وارتفاع غير عادي في الدين العام الخارجي وكذلك الدين العام الداخلي واشتداد حدّة التضخم وزيادة حالة الفقراء سواء.

ولقد تسببت هذه التطورات في نقد الأنظمة الاقتصادية القائمة وإثارة التساؤلات عن ملائمتها وجدوى استمرارها، وقد أتاح هذا لأصحاب التوجهات الإسلامية سواء من المفكرين أو من العاملين في المجالات السياسية والاجتماعية أن يطرحوا بقوة قضية الاقتصاد الإسلامي، والذي من خلاله يمكن تقديم علاج شامل ويتلاءم مع البيئة العقدية والاجتماعية لعامة الناس. وفي هذا المناخ لم تنقطع اجتهادات المفك

Ajouter un commentaire
pour plus informations contacter moi sur mon e-mail:w.saoud@yahou.com

Créer un site gratuit avec e-monsite - Signaler un contenu illicite sur ce site

×